علم النفس

Psychology

 

يرجع أصل مصطلح - علم النفس - Psychology الإنجليزي إلى الكلمة اليونانية ψυχολογία بسيخولوغيا وتتكون من شقين: سيكولوجية (نفسية) تأتي من الكلمة اليونانية  ψυχή (بسوخي) والتي تعني النفس و (λογος  لوغوس) التي تعني علم، ويقصد بها دراسة العقل والروح وهي التسمية السائدة في القرن السادس عشر للتفرقة بينها وبين علم دراسة الجسد أو الطب، وقد انتشرت تلك التسمية - Psychology - منذ بداية القرن الثامن عشر ويرمز له بالرمز (ψ)؛ وهو عبارة عن الحرف اليوناني (بسي) أول حروف كلمة (بسيخولوجيا)، وتبعا لمقولة "الفلسفة أم العلوم" فمن البديهي أن تكون نشأة علم النفس نشأة فلسفية؛ حيث تساؤلات الفلاسفة عن النفس وكنهها وطبيعتها ومصيرها، كما أن هناك مشاعر واحدة عند جميع البشر على اختلاف الحضارات والبيئات والعصور، فمشاعر مثل الغضب والحزن والفرح والحب والكراهية وغيرها موجودة عند الإنسان البدائي كالإنسان المتحضر، قد تختلف مظاهر التعبير عن تلك المشاعر ولكن الثابت أنها موجودة عند كل البشر.

وكما سبق القول فإن أصل علم النفس فلسفي، وقد تناوله الكثير من الفلاسفة على مر العصور كلٍ بمنظور مختلف عن الآخر تنعكس فيه الفلسفة السائدة في هذا العصر وربما العقيدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يرى (فيثاغورس Pythagoras) أن النفس جزءٌ مختلف عن الجسم مستقر في الدماغ وعند الموت فإنه ينتقل لجسدٍ آخر قد يكون أسمى أو أدنى من الجسد الأول، وهو ما يوافق فكرة (تناسخ الأرواح Réincarnation)، بينما يرى (أفلاطون Plato) أن النفس أو الروح تُدرِك مُثُلاً في العالم الروحاني لا يدركها الجسد، أما (سقراط Socrates) فيرى أنها جزء من الإله، وهو ما يتقابل مع الفكر الإسلامي عن الروح، مما حدا بالباحثين باعتقاد أنه يعتقد في الحياة الأخرى بعد الموت عندما ارتضى بحكم الإعدام، ويرى (أرسطو Aristotle) أن النفس سبب لارتقاء الكائن بداية من الجماد والنبات والحيوان وصولًا للإنسان وكلما ارتقى الكائن ارتقت نفسه، ولكنها تنتهي بموت جسده، هذا عن بعض الفلاسفة الإغريق، بالنسبة للفلسفة الإسلامية فإن فكرة النفس بصفة عامة عند فلاسفة المسلمين نابعة من المنظور العقائدي؛ أن النفس من روح الله سبحانه وتعالى للإنسان، فهي ما يمنحه الحياة والقدرة على التمييز والاختيار، ويعد ابن سينا من أكثر الفلاسفة الإسلاميين اهتماماً بالموضوع، وله العديد من الرسالات والبراهين على وجود النفس وهو ما لن يتسع له المجال هنا، ولكن باختصار فهناك تأثر بأرسطو في تعريف النفس، فهو يقسمها إلى عدة (مبادئ للنفس)؛ النفس النباتية حيث أن النبات لا يملك أكثر من النمو والتغذية (القوة المنمية)، والنفس التي تدرك الجزيئات وتتحرك بالإرادة وهي النفس الحيوانية، والنفس التي تدرك الكليات والحرية الفكرية أي النفس الإنسانية

 

تعريفعلم النفس:

هو أحد العلوم الأكاديمية والتطبيقية ويتضمن استخدام المنهج العلمي لدراسة الوظائف العقلية وأنماط السلوك، من خلال دراسة سلوكيات الأفراد والمجموعات، وهو الأساس النظري لكل فروع علم النفس النظرية والتطبيقية، ويقوم عادة بدراسة سلوك الإنسان، والدوافع والانفعالات، العمليات العقلية كالتعلم والتذكر والنسيان، والتفكير، والفروق الفردية والذكاء، وكل من هذه الجوانب المختلفة كان مدخلاً اتفق أو اختلف عليه لتناول العلماء لعلم النفس وتطوره  وتنوع مدارسه المختلفة التي  اهتمت كل منها بأحد هذه الجوانب كما سيرد لاحقًا، والبداية بالسلوك، لفهمه وتفسيره أو التنبؤ بما سيكون عليه.

ولكن ما هو السلوك؟ السلوك يتكون من مثير واستجابة، والمثير  في أبسط صوره قد يكون داخلي كالجوع والعطش، وغيرهما من المثيرات الناتجة عن العمليات الفسيولوجية، أو قد يكون مثير خارجي  فيزيائي كالضوء والحرارة و غيرهما، أو بيئي... إلخ، أما الاستجابة  وهي النشاط الذي يقوم به الإنسان- أو الكائن الحي- ردًا على المثيرات بأنواعها المختلفة،  قد تكون الاستجابة فسيولوجية أو حركية أو لفظية... إلخ، يختص علم النفس بدراسة أوجه السلوك والنشاط، على ثلاثة أوجه أساسية؛ السلوك الحركي واللفظي، النشاط العقلي، النشاط الوجداني.

وبما أن علم النفس لا يقتصر  على دراسة الإنسان فقط، بل الكائنات الحية، فإن الكثير من التجارب الخاصة بالارتباط الشرطي تم تطبيقها ودراستها على الحيوانات، ومن الأمثلة المشهورة على ذلك تجارب العالم الروسي (إيفان بافلوف Ivan Pavlov)؛ وتعتمد أساسًا على دراسة استجابة (رد فعل) الإنسان أو الحيوان على مثير ما وارتباط سلوكه بهذا المثير؛ وبالتالي يمكن الوصول إلى تعريف لعلم النفس العام على أنه: الدراسة العلمية لسلوك الكائنات الحية، خاصة الإنسان، وذلك بهدف التوصل إلى فهم هذا السلوك، وتفسيره، والتنبؤ به والتحكم فيه، سعيًا إلى فائدة المجتمع.

يطلق على من يعمل في هذا المجال- علم النفس- الباحث النفسي، حيث أنه يسعى  إلى دراسة مفاهيم مثل الإدراك، والانتباه، العاطفة، الظواهر والدوافع، وظائف الدماغ، دراسة الشخصية، السلوكيات، العلاقات الشخصية، ودراسة العقل الباطن، باستخدام الأساليب التجريبية لاستنتاج الأسباب والعلاقات التي تربط بين المتغيرات النفسية والاجتماعية.

وقد تم توصيف علم النفس "كعلم محوري "hub science بناءً على النتائج التي توصل إليها التي تربط بين أكثر من منظور مختلف للعلوم الأخرى كالعلوم الاجتماعية، الطب، والعلوم الإنسانية كالفلسفة.

بناءً على ماسبق فإن علم النفس لا يتعلق بالضرورة بتقييم وعلاج مشاكل الصحة النفسية فقط، بل يتجه لدراسة وفهم المشاكل المتعلقة بمجالات الأنشطة الإنسانية المختلفة، وعليه فإن هدف غالبية الباحثين النفسيين ينطوي على دور علاجي سواء من خلال الأبحاث العيادية (الإكلينيكية) أو الاستشارات، وهناك العديد من الباحثين الذين قاموا بالعديد من الأبحاث العلمية في العديد من الموضوعات المتعلقة بالعمليات العقلية والسلوكية سواء من خلال أبحاث أكاديمية بالجامعات أو مراكز بحوث متخصصة ( كليات الطب أو المستشفيات)، أو من خلال مجالات أعمال وأنشطة مختلفة، متعلقة بالصناعة أو التنمية البشرية أو الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة، والرياضة والإعلام، أو تحقيقات الطب الشرعي وغيرها.

 

تطورعلم النفسومدارسه:

كما اختلف الفلاسفة قديماً في تعريف النفس، اختلف العلماء في العصر الحديث في طرق تناولهم لعلم النفس كعلم ناشئ، ومن هنا نشأت مدارس عديدة لعلم النفس كلٍ منها لها منهج مختلف لدراسة النفس وتمت تسمية تلك المدارس نسبة للمنهج المتبع، وقد نشأت تلك المدارس إما لخلاف مع منهج معين أو انبثاقاً من آخر، فهناك المدرسة البنائية التي أسسها  العالم الألماني (وليم فونت Wilhelm Wundt)) والتي تعتمد على منهج الاستبطان القائم على التعرف على مشكلات الشخص عن طريق الشخص نفسه ومساعدته على حل تلك المشاكل، وهذا أحد أسباب النقد الذي وُجه لهذه المدرسة لأنها غير موضوعية وتعتمد على رأي الشخص أو الباحث ولا يمكن تعميمها، فنشأ أسلوب آخر للدراسة يركز على دراسة وظائف الدماغ والعمليات العقلية المختلفة وكل جزء مسئول عن أي عملية، رائد هذا الأسلوب هو (وليام جيمس William James) حيث اهتم بدراسة العمليات العقلية المرتبطة بالتفكير والكلام والحركة حيث تتم في المنطقة الجبهية، والسمع في وسط الدماغ، والجهاز البصري في المنطقة الخلفية، والمخيخ مسئول عن التوازن وعمليات الجسم اللاإرادية كالتنفس والهضم والدورة الدموية... إلخ وعليه أطلق عليها المدرسة الوظيفية، وقد وجه نقد لهذه المدرسة بأنه لا يمكن دراسة أشياء غير ملموسة- في هذا الوقت- كالذكاء والتفكير والعقل، ولكن يمكن رؤية ومراقبة سلوك ظاهر لدراسته ومن هنا ظهرت المدرسة السلوكية، الأمر الذي أدخل السلوك إلى المعمل على يد العالم بافلوف الذي درس السلوك وما يرتبط به من تغيرات فسيولوجية، وأجرى تجاربه الشهيرة، عندما وجد أن لعاب الكلب يسيل عند تقديم الطعام، فيقوم بقرع الجرس مع تقديم الطعام، عندها أصبح لعاب الكلب يسيل بمجرد سماح صوت الجرس، واقتران الجرس بالطعام، وهي خبرة اكتسبها أو تعلمها الكلب- أن قرع الجرس يعني تقديم الطعام- ومن هنا نشأت نظرية التعلم أو علم نفس التعلُم، من المدارس الهامة في علم النفس مدرسة الجشطلت التي تعد من المدارس الهامة في علم النفس، وإليها يرجع الفضل في الاهتمام بقوانين الإدراك، وقانونه الأساسي قانون الكلية؛ (الكل أكبر من مجموع أجزائه)، بمعنى أننا أن ندرك العناصر بكليتها أو كوحدة كاملة وليس الأجزاء المكونة لها.

كانت هذه نبذة مختصرة عن نشأة وتطور علم النفس وكيف أن الاختلاف في المنهج وطريقة التناول قد أسهم في تطور علم النفس بصفة عامة، ومنه نشأت مدارس و مناهج مختلفة، وهو نفسه قد انقسم  كغيره من فروع العلوم المختلفة للعديد من العلوم الدقيقة التي تهتم بدراسة جوانب محددة ومختلفة، وبعض هذه الفروع انقسمت بدورها لفروعٍ أدق مثل التخصصات الدقيقة التي تستحدث في الطب مثلًا؛ فقد نشأت فروع لعلم النفس على سبيل المثال لا الحصر:

• علم النفس الاجتماعي؛ يدرس العلاقة بين الفرد والمجتمع، الأدوار الاجتماعية، الرأي العام، الشائعات...إلخ

• علم النفس التنموي ؛ الذي انقسم إلى: (علم نفس النمو/ علم النفس النمائي/ علم النفس الارتقائي/ علم النفس التطويري) ويختص بدراسة سيكولوجية الطفولة والمراهقة من خلال دراسة مراحل النمو، والظروف البيئية، وأثرها على النمو لاستنباط أفضل ظروف للنمو السليم والتكيف الاجتماعي.

• علم النفس التربوي؛ يهتم بطرق التدريس والمراحل العمرية المختلفة والمناهج المناسبة لكل مرحلة حسب نفسية وعقلية الطلاب في كل مرحلة، والمادة المطلوب تدريسها والطرق المناسبة لتوصيل المادة العلمية، مع مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، والقدرة على الاستيعاب.

التحليل النفسي: نشأ أساسًا على يد العالم (سيجموند فرويد Sigmund Freud)، وانبثقت منه مدارس أخرى للتحليل النفسي اختلفت أسس التحليل فيها عن أسس التحليل النفسي عند فرويد، أبرزها تلميذه (كارل يونج Carl Jung).

• علم نفس التعلم؛ وكما سبق الإشارة فقد كانت نشأته بفضل تجارب العالم إيفان بافلوف.

• علم النفس الرياضي؛ يهتم بدراسة العوامل النفسية التي تؤثر في الأداء الرياضي للاعب من خلال برامج التدريب والتأهيل النفسي والرياضي ومساعدة اللاعبين على التخلص من الرهبة التي تصيب اللاعبين أحيانا أمام الجماهير في المباريات المصيرية، كما يسهم في توجيه اللاعب إلى الرياضة التي تتماشى مع ميوله وقدراته معاً سعياً لأداء أفضل.

• علم النفس الإكلينيكي  (علم النفس السريري/ علم النفس العيادي)، يجمع بين العلاج النفسي والعلاج الطبي الدوائي.

• علم النفس السياسي؛ يقوم على فهم السلوك السياسي، والسياسيين، وهو علم أكاديمي يأخذ مادته من العديد من الاختصاصات، كعلم الإنسان، والقانون الدولي، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والصحافة والإعلام.

• علم النفس الدوائي (السيكوفارماكولوجي/ علم النفس الصيدلي)، يدرس آثار العقاقير النفسية والعصبية، وآلية عملها وأثرها على النفسية

• علم النفس العصبي (النيوروسيكولوجي)، يهتم بالعلاقة بين وظائف الدماغ والسلوك.

• علم النفس الصناعي، يهتم بدراسة العلاقات الاجتماعية بين العمال، ويطبق مبادئ علم النفس للوصول للعامل الكفء ووضعه في مكانه المناسب لإمكانياته، مع معرفة الأسباب التي تؤدي لقلة الكفاءة، كما يطبق مبادئ علم نفس التعلم فيما يختص بالتدريب الصناعي.

علم النفس التجريبي، يختص بابتكار طرق جديدة للبحث العلمي، وإجراء التجارب العلمية، ويهتم بظواهر نفسية معينة كالإدراك والانتباه والتعلم.

علم النفس الجنائي، يدرس الأسباب والدوافع التي تؤدي للجرائم، ونفسية المجرم للحد من الجريمة على مستوى المجتمع، والأسباب التي تؤدي لارتكاب الجريمة، سواء كانت داخلية نفسية، كضعف الضمير مثلا، أو بيئية اجتماعية.

علم النفس الحربي (علم النفس العسكري)، يهتم بتطبيق علم النفس في المجال العسكري لاختيار أنسب الجنود للعمليات والوحدات العسكرية المختلفة التي تتناسب مع قدراتهم العقلية والنفسية للوصول للكفاءة العسكرية للقوات المحاربة، كما يهتم بعمليات تدريب الحواس والقدرات في المواقف القتالية المختلفة ومهارات القيادة، وتأهيل الجنود بعد الإصابات أو البدنية أو الصدمات النفسية.

علم النفس الأدبي؛ يهتم بدراسة العامل النفسي في المضمون الأدبي، كما لجأ فرويد للأدب اليوناني القديم لتفسير عقد أوديب، أو تحليل الشخصيات الأدبية.

 

Back to top